روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
112
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
فإذا كان أمر المعرفة لا يحصل منه إلا التحير ، فقد اختار أقوام من العشّاق زيادة التحيّر في جميع أحوالهم حتى أبي يزيد - قدّس اللّه روحه - قال : « ربّ زدني تحيرا » من غاية تلذّذهم فيه . لأنه تعالى له طرق أولها تحيّر ، وفيها للعارفين مشاهدات ومكاشفات وحقيقات وأسرار لا يجوز وصفها عند أكثر الخلق لأن في ذلك الخلق صاحت الإشارات ، ودهشت العبارات ، وفنيت الإرادات ، واندرست الرسومات ، وكيف تجري العبارات على ألسنتهم ، والقلوب بنيران أسرار العزّة محترقة ، والأرواح في ميادين العظمة دهشة ، والعقول في سطوات الصفة مكبّة فانيّة ، والعلوم في كمال الربوبيّة مندرسة ، والأفهام عن ادراك عظمته خلسة حبسة . فهذه الأقوام أخرستهم الغيرة ، وأسكنهم الطنّة . وإنّهم فصحاء نطقاء ، العالمون بأسرار القلوب ، الغائبون في أنوار الغيوب ، عبدوا اللّه سرّا وحفظوا السرّ . فهل يمكنون أسرارهم مخبر أم هل بحقائق أحوالهم معبرا . أولئك هم الأتقياء الأخفياء اللذين عرفوا في الناس وهم منكرون ووجدهم هم مفقودون ورائهم ، وهم غائبون في بساتين الغيب ، والهون في بيداء السرمديّة ، جائرون من باب الحبيب لا يبرحون ، وبغير الحبيب لا يفرحون ، وإلى لقاء العزيز شائقون ، ومن خشية ربّهم مشفقون . أولئك هم الوارثون ، ورثوا نعيم المشاهدة ، وهم فيها خالدون تركوا الدنيا لتذهيب الأشباح ، وتركوا الآخرة لتقريب الأرواح ، مقبلون إلى اللّه تعالى بطهارة الأسرار ، وطائرون إليه بأجنحة الأنوار ، بانوا على الخليقة بنعت الفناء وغابوا في الحقيقة بوصف البقاء ، هم أمناء اللّه في العالم ، وسادات ذريّة آدم - صلوات اللّه عليه . بنور الوحدانيّة ينظرون إلى الغيوب وبسناء الفردانيّة يبصرون عجائب القلوب . هم أبطال ميادين العظمة وطيور بساتين المشاهدة - صلوات اللّه على أرواحهم . هذه صفات أهل حقيقة التوحيد ونعوت رجال التجريد الذين أخفاهم اللّه تعالى عن الخلائق وقدس أسرارهم عن العلائق . فسلام اللّه تعالى وبركاته عليهم حياة وممات . وجعلنا وإياكم من مجالسهم على بساط القربة بين السفرة الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - وزمرة الأولياء - رحمة اللّه عليهم أجمعين - بمنه القديم وجوده العميم . والحمد لله ربّ العالمين حمدا كثيرا ، وصلى اللّه على محمّد وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ( 47 ) [ الأحزاب : 46 - 47 ] . تمّ كتاب لوامع التوحيد ممّا رسمه الشيخ الإمام العارف العاشق شمس العارفين وقمر الموحدين ترجمان كلام الرحمن أبو محمّد روزبهان .